
من يحمي العالم من امبراطور مجنون بالسلطة؟
د. نهاد إبراهيم - mbc.net
"إما أن تكوني حبيبتي، وإما أقتل حبيبك أمام عينيك حالا!".. أغلب الظن ستضحي الجميلة بنفسها، وتختار عدوها لتنقذ حبيبها، لكن الساحرة اختارت العكس لتحمي العالم من امبراطور مجنون بالسلطة والخلود!.
ولولا هذه التضحية لما ظهر الفيلم الأمريكي الكندي الألماني "المومياء: قبر امبراطور التنين The Mummy: Tomb of the Dragon Emperor" 2008 إخراج الأمريكي روب كوهين.
يعد هذا الفيلم "الأكشن الفانتازي" هو الجزء الثالث بعد الجزء الأمريكي الأول "المومياء" 1999 إخراج ستيفن سومرز، ثم "عودة المومياء" 2001 للمخرج نفسه، والاثنان جرت أحداثهما بمصر عامي 1921 و1933. أما الجزء الثالث فينقلنا إلى حضارة الصين العامرة بالأسرار وفنون القتال.
وظف سيناريو ألفريد جوج، ومايلز ميلر الحكي الصوتي لراوية متأنية واعية، كمظلة صوتية للأحداث التي نراها، وبطلها الامبراطور هان (جيت لي)، قاهر الأعداء المتراصين تحت أرض سور الصين العظيم، ليصبح سيد الأرض بالسلاح وقوى السحر.
لكن طموحه النهم أغراه بالبحث عن الخلود كالعادة، فاستعان بالساحرة الجميلة زيي جوان (ميشيل ييوو)، ودفعه طمعه فيها وغضبه من تفضيلها مساعده الجنرال منج (راسل وونج) عليه، إلى تخييرها بينه وبين موت حبيبها فاختارت الاختيار الثاني.
وكانت اللحظة الفاصلة التي ستربط الماضي بالحاضر هي محاولة الامبراطور طعنها بخنجره، وهو لا يعلم أنها تملك الخلود، وأنها أهدته لعنة مخيفة حولته مع 10 آلاف جندي إلى تماثيل ممسوخة مجمدة معلقة بشعرة بين الحياة والموت!.
كان ذلك منذ ألفي عام في الصين القديمة عند جبال الهملايا، وإذا بمونتاج كيلي ماتسوموتو وجويل نجرون يقفز بنا قفزة صاروخية ناجحة لنصل فجأة إلى لندن 1946.
والرابط الجوهرى بين الزمنين هو اكتشافنا أن الراوية هي إيفيلين (ماريا بيللو)، شريكة زوجها ريك أوكونيل (بريندان فريزر) في مغامرات الفيلمين السابقين.
وقد اعتزلا الآن البحث عن المومياوات، وتفرغت هي لتأليف الكتب المتخصصة في ذلك، وتركا المهمة لابنهما الشاب أليكس (لوك فورد) المتمرد عليهما، والمتفرغ الآن للبحث عن مومياء الامبراطور بمساعدة العجوز روجر (ديفيد كالدر). ويعيش في الصين بجوار خاله المرح جوناثان (جون حنا)، شريك المغامرات وصاحب النادي الليلي "إمحتب".
جوهرة العين الصينية
يخبرنا الإطار العام أن الحكومة البريطانية كلفت الزوجين بإعادة جوهرة العين إلى شنغهاي، وهي لا تدري أن الجنرال يانج -أنتوني وونج- ومساعدته شوي -جيسي منج- خائنان، ويطمعان في الجوهرة لإعادة مومياء الامبراطور التي اكتشفها أليكس إلى الحياة ويحكموا الأرض.
لكن تحليل ما وراء الحدث واشتعال الحرب بين الجميع، يحمل مغزى كبيرا يمنح هذا الفيلم قيمته وأبعاده السياسية.. فلم يكن المقصود مجرد استمرار وجود الامبراطور على قيد الحياة، وإنما استمرار الرغبة العارمة في حكم العالم بالعنف والديكتاتورية، وتكرارها عبر الامبراطور والجنرال الحديث ومساعدته رغم فارق السنين.
وبالمثل تمتد حلقات مقاومة الظلم والكفاح من أجل المواطنين، من الساحرة حتى المغامر ريك وزوجته وابنهما، كامتداد لوالديه في الهدف وبث روح شباب المغامرة، لإنقاذ الماضي والحاضر والمستقبل. ومع القوى العسكرية والمخططات السياسية يتربع الحب دائما كأعظم القوى الخالدة، بتنويعاته المختلفة بين الحبيبين مثل ريك وزوجته، أو الساحرة وحبيبها، وبين أليكس وحبيبته الجديدة لين (إيزابيلا ليونج) التي تحاول هزيمة الامبراطور.
وهناك حب ريك وزوجته لابنهما، ونظيره حب الساحرة لابنتها الخالدة لين.. كل هذا يأتي تحت سماء حب وجود حياة عادلة بالمعنى الرمزي المجرد، يضحي من أجلها الجميع دون تحديد دولة بعينها، ولعل أكبر حدث أنقذ العالم هو تضحية الساحرة وابنتها بخلودهما، من أجل حياة كريمة محدودة لبشر لا تعرفانهم.
هكذا ندرك توجهات المنهج البصري السمعي في الفيلم، ومجهودات المخرج وفريق عمله لبث مفاهيم الامتداد والترديد والاتحاد، لنشاهد سلسلة معارك المدينة وساحات الثلوج والرمال والمعابد والمرتفعات، تتدخل فيها كل الأطراف المنتمية إلى كل العصور، بأسلحتها وتصميمات ملابس سانيا ملكوفتش هايز، وديكورات آن كوليجيان وفيليب لورد، مع ظهور كائنات خارقة تحارب جنبا إلى جنب مع البندقية والسهام والطائرات والسيوف والسيارات والخناجر وتعاويذ السحر وكل شيء.
صهرت كاميرات سايمون دوجان كل الأزمان والعوالم والأماكن والشخصيات والأنماط والمبررات والأهداف داخل كادرات بانورامية كبيرة، مستعينة بالمونتاج لتقسيمها إلى ما يشبه مربعات أو كادرات صغيرة، لمرونة الترحال بين الجميع ككتلة واحدة.
أسست موسيقى راندي إدلمان بين جسورا مشتركة للتعبير عن مذاق الحضارات المختلفة، عبر علامات ميلودية إيقاعية مميزة للعصور والبيئة. وكونت مع إيزابيل جواي -مشرفة الإدارة الفنية- وريك تومسون -مشرف المؤثرات الخاصة- وماثيو إي. باتلر وجويل هينيك وديريك سبيرز -مشرفي المؤثرات المرئية- فريقا قويا لحكم الخطاب الفكري السياسي لهذا العمل المثير.
إذا كان هدف مشعلي الحرب العالمية الثانية الحديثة وقتها، حكم العالم وإبادة المعترضين وعشق العنصرية وتفرقة العشاق وامتلاك الخلود، فما الفارق إذن بين الامبراطور الصيني هان والديكتاتور الألماني هتلر والقبعة الأمريكية الحديثة؟!.
اخوكم
طريح الوقت